القرطبي

339

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أصبوت إلى محمد ؟ أم أعجبك طعامه ؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا ، ثم قال : والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالا ، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشئ والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ، ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله : " مثل صاعقة عاد وثمود " [ فصلت : 13 ] وأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم العذاب ، يعني الصاعقة . وقد روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد له عن محمد بن كعب القرظي ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ " حم . فصلت " حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع ، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره . فلما قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة قال له : " يا أبا الوليد قد سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك " فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا : والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم . ثم قالوا : ما وراءك أبا الوليد ؟ قال : والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة ، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي ، خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه ، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ ، فان أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم ، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس به ، لأن ملكه ملككم وشرفه شرفكم . فقالوا : هيهات سحرك محمد يا أبا الوليد . وقال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم . قوله تعالى : " وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه " الأكنة جمع كنان وهو الغطاء . وقد مضى في " البقرة " ( 1 ) . قال مجاهد : الكنان للقلب كالجنة للنبل . " وفي آذاننا وقر " أي صمم ، فكلامك لا يدخل أسماعنا ، وقلوبنا مستورة من فهمه . " ومن بيننا وبينك حجاب " أي خلاف في الدين ، لأنهم يعبدون الأصنام وهو يعبد الله عز وجل . قال معناه الفراء وغيره . وقيل : ستر مانع عن الإجابة . وقيل : إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال : يا محمد بيننا وبينك حجاب . استهزاء منه . حكاه النقاش وذكره القشيري . فالحجاب هنا

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 25 طبعة ثانيه .